المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:52 م
ﻓﻲ ﺧﻀﻢّ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺍﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺟﺘﺎﺣﺖ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻨﺬ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﻋﺼﺮ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ، ﺑﺪﺃﺕ ﻣﻼﻣﺢ ﺗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻷﺑﻨﺎﺀ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺑﺸﻜﻞ ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺒﻮﻕ. ﻓﺒﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻫﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻳﻤﻠﻜﻮﻥ ﻣﺴﺎﺣﺔ ﺃﻭﺳﻊ ﻟﻠﺘﻮﺟﻴﻪ ﻭﺍﻟﺴﻴﻄﺮﺓ، ﺃﺻﺒﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﻌﺐ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﺠﺎﺭﺍﺓ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﻴﻞ ﺍﻟﺠﺎﺭﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﺄﻃﻔﺎﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺟﺎﻧﺐ.
ﻭﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻭﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﺨﺮﻳﺐ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﻏﺎﺋﺒﺔ ﺣﺘﻰ ﻗﺒﻞ ﺍﻹﻧﺘﺮﻧﺖ، ﻓﺈﻥ ﺍﻷﺳﺮﺓ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻤﻠﻚ ﺃﺩﻭﺍﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺤﺼﻴﻦ، ﻭﻛﺎﻥ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ ﺿﻮﺍﺑﻄﻪ ﺍﻟﻀﻤﻨﻴﺔ، ﻭﻟﻠﺘﻘﺎﻟﻴﺪ ﺳﻄﻮﺗﻬﺎ. ﺃﻣﺎ ﺑﻌﺪ ﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﻬﻮﺍﺗﻒ ﺍﻟﺬﻛﻴﺔ، ﻓﺈﻥ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﻗﺪ ﺗﺂﻛﻠﺖ ﺗﺪﺭﻳﺠﻴًﺎ، ﺧﺎﺻﺔ ﺣﻴﻦ ﻟﻢ ﻳﺘﺮﺩﺩ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻵﺑﺎﺀ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﻫﻮﺍﺗﻒ ﻣﺘﺼﻠﺔ ﺑﺎﻹﻧﺘﺮﻧﺖ ﻷﻃﻔﺎﻝ ﻓﻲ ﺳﻦ ﻣﺒﻜﺮﺓ، ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﺗﺤﺖ ﺿﻐﻂ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﻭﻣﺠﺎﺭﺍﺓ "ﻣﺎ ﻳﻔﻌﻠﻪ ﺍﻵﺧﺮﻭﻥ''.
ﻭﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ؟ ﺟﻴﻞ ﻳﻨﻤﻮ ﻭﻳُﺸﻜّﻞ ﻭﻋﻴﻪ ﺍﻟﻴﻮﻣﻲ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺷﺎﺷﺎﺕ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺗﺒﺚ ﻣﺤﺘﻮﻯ ﺳﺮﻳﻌًﺎ، ﺳﻄﺤﻴًﺎ، ﻭﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﻀﻠﻼً. ﻟﻘﺪ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻫﻘﻮﻥ ﺃﺳﺮﻯ ﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﻛﻮﻣﻴﺪﻱ ﻫﺎﺑﻂ ﻳﻨﺘﺸﺮ ﻛﺎﻟﻨﺎﺭ ﻓﻲ ﺍﻟﻬﺸﻴﻢ، ﻷﻧﻪ ﺑﺒﺴﺎﻃﺔ ﻻ ﻳﺘﻄﻠﺐ ﺟﻬﺪًﺍ ﻓﻜﺮﻳًﺎ، ﺑﻞ ﻳﺨﺎﻃﺐ ﺍﻟﻐﺮﺍﺋﺰ ﺍﻟﻠﺤﻈﻴﺔ، ﻭﻳُﻐﺬّﻱ ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﻀﺤﻚ ﺍﻟﺴﻄﺤﻲ ﻭﺍﻟﺘﻬﺮﻳﺞ.
ﻟﺴﻨﺎ ﻫﻨﺎ ﺑﺼﺪﺩ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻹﺑﺎﺣﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻻﻧﺤﺮﺍﻓﺎﺕ ﺍﻟﺨﻄﻴﺮﺓ، ﺭﻏﻢ ﺧﻄﻮﺭﺗﻬﺎ، ﺑﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﺴﺎﺧﺮ ﻭﺍﻟﺘﺎﻓﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺜّﻪ ﺃﻏﻠﺐ ﻣﺎ ﻳُﻌﺮﻑ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺑـ``ﺍﻟﻤﺆﺛﺮﻳﻦ''، ﻓﻘﻂ ﻟﺠﺬﺏ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺍﺕ ﺧﻼﻝ ﺃﻳﺎﻡ، ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻲ ﺍﻟﺮﺻﻴﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﺎﻟﻜﺎﺩ ﻳﺤﺼﺪ ﺑﻀﻌﺔ ﺁﻻﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺍﺕ ﺑﻌﺪ ﺳﻨﻮﺍﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻹﻧﺘﺎﺝ.
ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺨﻠﻞ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ ﻓﻲ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﺮﻗﻤﻲ، ﻳﺪﻓﻊ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮﻳﻦ ﻣﻤﻦ ﻳﻤﺘﻠﻜﻮﻥ ﻗﺪﺭﺍﺕ ﻣﻌﺮﻓﻴﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﺠﺎﺭﺍﺓ ﺍﻟﻤﻮﺟﺔ، ﻓﻨﺮﺍﻫﻢ ﻳﻘﺪّﻣﻮﻥ ﻣﺤﺘﻮﻯ ﻫﺎﺑﻄًﺎ، ﻻ ﻟﺸﻲﺀ ﺇﻻ ﻷﻥ ﺍﻷﺭﻗﺎﻡ --- ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ --- ﻫﻲ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺸﻬﺮﺓ ﻭﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻴﻮﻡ.
ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﻹﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻔﻴﺪ ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﺮﻓﻴﻬﻲ ﺍﻟﻤُﻔﺮﻍ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ؟ ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺧﻠﻖ ﺑﻴﺌﺔ ﺭﻗﻤﻴﺔ ﺗُﺤﻔّﺰ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﻫﻘﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ ﻣﺤﺘﻮﻯ ﻳﺜﺮﻱ ﻋﻘﻮﻟﻬﻢ، ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺸﻌﺮﻭﺍ ﺃﻧﻬﻢ ﺩﺧﻠﻮﺍ "ﺻﻔًﺎ ﺩﺭﺍﺳﻴًﺎ'' ﻣﻤﻼً؟
ﺇﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﻟﻴﺲ ﺳﻬﻼً، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﺴﺘﺤﻴﻼً ﺃﻳﻀًﺎ. ﻓﺒﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻧﻨﺘﻘﺪ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﻬﺎﺑﻂ، ﻧﺤﻦ ﺑﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ:
ﺇﻧﺘﺎﺝ ﻣﺤﺘﻮﻯ ﻣﻔﻴﺪ ﻭﺟﺬّﺍﺏ ﺑﺼﺮﻳًﺎ ﻭﻋﺎﻃﻔﻴًﺎ، ﻳﻨﺎﻓﺲ ﺑﺄﺳﻠﻮﺑﻪ، ﻻ ﻓﻘﻂ ﺑﻤﻀﻤﻮﻧﻪ.
ﺭﻓﻊ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﺍﻟﺮﻗﻤﻲ ﻟﺪﻯ ﺍﻷﺳﺮ، ﻭﺗﺜﻘﻴﻒ ﺍﻵﺑﺎﺀ ﺑﻜﻴﻔﻴﺔ ﺗﻮﺟﻴﻪ ﺃﺑﻨﺎﺋﻬﻢ ﻧﺤﻮ ﻣﺤﺘﻮﻯ ﻧﺎﻓﻊ ﺩﻭﻥ ﻓﺮﺽ ﺃﻭ ﻗﻤﻊ.
ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﺿﻐﻂ ﻣﺠﺘﻤﻌﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻨﺼﺎﺕ ﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﺘﺮﺑﻮﻱ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻤﻲ ﻋﺒﺮ ﺧﻮﺍﺭﺯﻣﻴﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﻋﺪﻻً.
ﻟﻘﺪ ﺩﺧﻠﻨﺎ ﻋﺼﺮًﺍ ﺟﺪﻳﺪًﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ، ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺗُﺮﺳﻢ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻀﺎﺀ ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ ﺍﻟﻤﻔﺘﻮﺡ. ﻟﺬﺍ، ﻓﺈﻥ ﻣﻌﺮﻛﺘﻨﺎ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻘﻂ ﻣﻊ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ، ﺑﻞ ﻣﻊ ﻣﻨﻈﻮﻣﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﺗُﻜﺎﻓﺊ "ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤُﻔﺮﻍ'' ﻭﺗُﻘﺼﻲ "ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ''.
ﻭﺣﺘﻰ ﻧﻨﺠﺢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻛﺔ، ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻌﻴﺪ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﻣﺎ ﻳﻌﻨﻴﻪ ﺍﻟﻨﺠﺎﺡ ﺍﻟﺮﻗﻤﻲ، ﻻ ﺑﻌﺪﺩ ﺍﻟﻤﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺍﺕ، ﺑﻞ ﺑﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ، ﻭﻋﻤﻖ ﺍﻷﺛﺮ ﻓﻲ ﻋﻘﻮﻝ ﻭﻧﻔﻮﺱ ﺃﺑﻨﺎﺋﻨﺎ.