المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:52 م
ﻓﻲ ﻣﻮﺭﻭﺛﻨﺎ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ، ﻭﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﻲ ﻭﻣﺎ ﺗﻼﻩ، ﻧﺠﺪ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺗﺮﺍﺙٍ ﻏﻨﻲّ ﺑﺎﻟﺒﻼﻏﺔ، ﻭﺍﻟﺨﻴﺎﻝ، ﻭﺍﻟﻌﺰّﺓ، ﻭﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺎﺀ، ﺑﻞ ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺍﻷﻧﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺎﻃﺢ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ. ﻭﻓﻲ ﺧﻀﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻐﻠﻴﺎﻥ ﺍﻟﻌﺎﻃﻔﻲ ﻭﺍﻟﻘﺒﻠﻲ، ﻧﺸﺄﺕ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺘﻐﺎﺿﻲ ﻋﻨﻬﺎ: ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﺍﻟﺸﻌﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺣﺪ ﺍﻟﺒﻼﻏﺔ ﺃﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻟﺘﻘﺘﺤﻢ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻼﻣﻌﻘﻮﻝ ﻭﺍﻟﻼﻭﺍﻗﻌﻲ.
ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﺠﺎﻫﻠﻲ ﻟﻴﺮﺗﻘﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﻣﻦ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻭﻗﻮﺓ، ﻟﻮﻻ ﺍﻟﺤﺲ ﺍﻟﺘﻨﺎﻓﺴﻲ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻘﺒﺎﺋﻞ، ﺣﻴﺚ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﺍﻟﻘﺼﻴﺪﺓ ﺳﻼﺣًﺎ ﺇﻋﻼﻣﻴًﺎ، ﻭﻗﻀﻴﺔ ﺷﺮﻑ ﻭﻃﻨﻴﺔ، ﻭﻣﺼﺪﺭًﺍ ﻟﻠﻔﺨﺮ ﺍﻟﺠﻤﻌﻲ.
ﻭﻣﻦ ﺃﻋﻈﻢ ﻧﻤﺎﺫﺝ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻌﺮ: ﻣﻌﻠّﻘﺔ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﻛﻠﺜﻮﻡ، ﺍﻟﺘﻲ ﻃﺎﻟﻤﺎ ﻭُﺻﻔﺖ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺃﻓﺨﺮ ﻗﺼﻴﺪﺓ ﻋﺮﺑﻴﺔ، ﻭﻋُﺪّﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻋﻨﻮﺍﻧًﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﺰﺓ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ.
ﻟﻜﻦ ﺣﻴﻦ ﻧﻘﺮﺃﻫﺎ ﺑﻌﻴﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻭﺍﻟﺬﻭﻕ، ﻭﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ، ﻧﺠﺪ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺃﺑﻴﺎﺕ ﺗﺘﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻭﺍﻟﺒﻼﻏﺔ، ﺇﻟﻰ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﻳﻐﻴﺐ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ ﻭﺍﻟﺼﺪﻕ، ﻭﺭﺑﻤﺎ ﺗﻘﺘﺮﺏ ﺃﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻣﻦ ﺧﻴﺎﻻﺕ ﺍﻟﻄﻔﻮﻟﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻨﻀﺒﻄﺔ.
ﺩﻋﻮﻧﺎ ﻧﺘﺄﻣﻞ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺑﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻠﻐﺖ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﺣﺪًّﺍ ﻳﺤﺮﺝ ﺣﺘﻰ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﺣﻴﻦ ﻳﻔﺨﺮﻭﻥ ﺑﻴﻨﻬﻢ:
"ﻣﻸﻧﺎ ﺍﻷﺭﺽَ ﺣﺘﻰ ﻓﺎﺽَ ﻋﻨّﺎ ﻭﻣﺎﺀُ ﺍﻟﺒﺤﺮِ ﻧﻤﻠﺆﻩُ ﺳﻔﻴﻨﺎ"
ﻛﻴﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﻟﻘﻮﻡ ﺃﻥ ﻳﻤﻠﺆﻭﺍ ﺍﻷﺭﺽ؟ ﺑﻞ ﻭﻳﻤﻠﺆﻭﻥ ﻣﺎﺀ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺑﺎﻟﺴﻔﻦ؟
ﻟﻮ ﻗﻴﻞ ﻫﺬﺍ ﻓﻲ ﻗﺼﺺ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ، ﻟﻘﻴﻞ: ﻫﺬﺍ ﻟﻌﺐ ﺻﻐﺎﺭ! ﺑﻞ ﻃﻔﻞ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﺼﺎﺣﺒﻪ: ﺃﻧﺎ ﺑﺤﺠﻢ ﺍﻟﺠﺒﻞ، ﻓﻴﺮﺩ ﺍﻵﺧﺮ: ﺃﻧﺎ ﺑﺤﺠﻢ ﺍﻟﺒﺤﺮ.
ﻓﻬﻞ ﻫﺬﺍ ﻓﺨﺮ، ﺃﻡ ﺍﺳﺘﻌﺮﺍﺽ ﺳﺎﺫﺝ؟
ﻭﻫﻨﺎ ﺗﺘﺠﻠّﻰ ﻗﻤﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺮﺝ ﻋﻦ ﺃﻱ ﺇﻃﺎﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻝ. ﻛﻴﻒ ﻟﻄﻔﻞٍ ﺭﺿﻴﻊ ﻟﻢ ﻳﺸﺐ ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﺗُﺴﺠﺪ ﻟﻪ ﺍﻟﺠﺒﺎﺑﺮﺓ؟
ﺃﻱ ﻛﺒﺮﻳﺎﺀ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﺗُﺴﺤﻖ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻌﺰّﺓ؟
ﺍﻟﺮﺅﻳﺔ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ: ﺗﻬﺬﻳﺐ ﺍﻟﻔﺨﺮ ﻭﺿﺒﻂ ﺍﻟﻠﺴﺎﻥ
ﺟﺎﺀ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﻲ ﺑﻴﺌﺔ ﺗﻌﺘﺰ ﺑﺎﻟﺸﻌﺮ ﻭﺗﻘﺪّﺳﻪ، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳُﻠﻎِ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻦ، ﺑﻞ ﻫﺬّﺑﻪ ﻭﺟﻌﻞ ﻟﻪ ﻣﻴﺰﺍﻧًﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺪﻕ ﻭﺍﻷﺧﻼﻕ.
ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﺸﻌﺮﺍﺀ:
"ﻭَﺍﻟﺸُّﻌَﺮَﺍﺀُ ﻳَﺘَّﺒِﻌُﻬُﻢ ﺍﻟْﻐَﺎﻭُﻭﻥَ، ﺃَﻟَﻢْ ﺗَﺮ ﺃَﻧَّﻬُﻢْ ﻓِﻲ ﻛُﻞِّ ﻭَﺍﺩٍ ﻳَﻬِﻴﻤُﻮﻥَ، ﻭَﺃَﻧَّﻬُﻢْ ﻳَﻘُﻮﻟُﻮﻥَ ﻣَﺎ ﻻَ ﻳَﻔْﻌَﻠُﻮﻥَ"
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺗﻜﺸﻒ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺣﻴﻦ ﻳﻨﻔﻠﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺪﻕ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ، ﻳﻔﻘﺪ ﻗﻴﻤﺘﻪ، ﻭﻳﺼﺒﺢ ﻋﺒﺜًﺎ ﻟﻐﻮﻳًﺎ.
ﺍﻟﻔﺨﺮ ﻓﻲ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻣﺸﺮﻭﻉٌ ﻭﻣﻄﻠﻮﺏٌ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺣﻘًﺎ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻨﺒﻲ صلى الله عليه وسلم ﻗﺎﻝ:
"ﺃﻧﺎ ﺳﻴﺪ ﻭﻟﺪ ﺁﺩﻡ ﻭﻻ ﻓﺨﺮ"
ﺃﻱ ﺃﻥ ﺣﺘﻰ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺗﻮﺍﺿﻊ ﻓﻲ ﻓﺨﺮﻩ، ﻣﻊ ﺃﻧﻪ ﺃﺣﻖ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻪ.
ﻭﻭﺭﺩ ﻋﻨﻪ صلى الله عليه وسلم ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ:
"ﺇﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﻟﺴﺤﺮًﺍ، ﻭﺇﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻟﺤِﻜﻤًﺎ"
ﻓﺠﻌﻞ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻤﻞ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﺼﺪﻕ ﻓﻨًﺎ ﻧﺒﻴﻼً، ﺃﻣﺎ ﻣﺎ ﻳﺨﺎﻟﻔﻪ ﻓﻠﻴﺲ ﺳﻮﻯ ﻟﻬﻮٍ ﻻ ﻳُﺆﺧﺬ ﺑﻪ.
ﺭﻏﻢ ﻛﻞ ﺫﻟﻚ، ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﻧﻜﺎﺭ ﺃﻥ ﻗﺼﻴﺪﺓ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﻛﻠﺜﻮﻡ ﺗﺴﺤﺮ ﺍﻟﺴﺎﻣﻊ، ﻭﺗﻄﺮﺏ ﺍﻟﻘﺎﺭﺉ، ﻭﺗُﺸﻌﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺷﻌﻠﺔ ﺍﻟﻌﺰﺓ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ.
ﻭﺃﻧﺎ، ﻛﻜﺎﺗﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ، ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ ﺭﺩﺩﺕ ﺃﺑﻴﺎﺗﻬﺎ ﺑﺘﺄﺛّﺮ ﺩﻭﻥ ﻭﻋﻲ، ﻟﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻮﺳﻴﻘﻰ ﻟﻔﻈﻴﺔ ﻭﺟﺮﺱ ﻓﺨﺮﻱ ﻳﻬﺰّ ﺍﻟﻮﺟﺪﺍﻥ.
ﻟﻜﻦ، ﻭﻣﻊ ﻧﻀﺞ ﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻭﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻣﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﺍﻷﺧﻼﻕ، ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ، ﻭﺟﺐ ﺃﻥ ﻧﻀﻊ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻌﻪ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ.
ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﻘﺼﻴﺪﺓ، ﺭﻏﻢ ﻋﻈﻤﺘﻬﺎ ﺍﻟﻔﻨﻴﺔ، ﺗﺤﻤﻞ ﻣﺒﺎﻟﻐﺎﺕ ﻟﻮ ﺳﻤﻌﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻌﺮﺏ، ﻟﻀﺤﻜﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺗﺠﺎﻭﺯﺍﺕ.
ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻛﻨﺰٌ ﻻ ﻳُﻘﺪّﺭ ﺑﺜﻤﻦ، ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﻌﺼﻮﻣًﺎ. ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺃﻥ ﻧُﺤﺒّﻪ ﺑﻌﻘﻞ، ﻭﻧُﻌﺠﺐ ﺑﻪ ﺑﺬﻭﻕ، ﻭﻧُﺤﻠّﻠﻪ ﺑﺼﺪﻕ.
ﻭﻗﺪ ﺻﺪﻕ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻝ:
"ﻗﻴﻤﺔ ﻛﻞ ﺍﻣﺮﺉ ﻣﺎ ﻳُﺤﺴﻦ ﻻ ﻣﺎ ﻳﺪّﻋﻲ، ﻭﻻ ﻣﺎ ﻳُﻐﺎﻟﻲ ﻓﻴﻪ.