المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 11 يناير 2026 01:52 م
ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺟﺎﺀﺗﻨﻲ ﻓﻜﺮﺓ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ، ﺫﻫﺒﺖ ﺇﻟﻰ ﺃﺑﻨﺎﺋﻲ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ، ﻭﺳﺄﻟﺖ ﺍﺑﻨﺘﻲ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ، ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﺭﺱ ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭﺍﻩ ﻓﻲ ﻋﻠﻮﻡ ﺍﻟﺤﺎﺳﺐ:
ﻫﻞ ﺗﺤﻔﻈﻴﻦ ﺃﻱ ﺑﻴﺖٍ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ؟ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺃﻥ ﺗﺘﺬﻛّﺮ ﺃﻱ ﺑﻴﺖ، ﻓﻠﻢ ﺗﺴﺘﻄﻊ.
ﺛﻢ ﺫﻫﺒﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻻﺑﻦ ﺍﻷﺻﻐﺮ ﻭﺳﺄﻟﺘﻪ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻧﻔﺴﻪ، ﻓﺬﻛﺮ ﻟﻲ ﺑﻴﺘًﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻔﻈﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﺴﺠّﻞ ﺇﻟﻘﺎﺀ ﺷﻌﺮ ﺑﺼﻮﺗﻪ.
ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: ﻏﻴﺮﻩ، ﻓﻠﻢ ﻳﺴﺘﻄﻊ ﺃﻳﻀًﺎ.
ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﺑﻨﻲ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ، ﻧﻈﺮ ﺇﻟﻲّ ﻣﻨﺪﻫﺸًﺎ ﻭﻗﺎﻝ: ﻫﻞ ﺃﻧﺎ ﺷﺎﻋﺮ؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!! ﻭﺃﻇﻦّ ﺃﻥ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ، ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻝ.
ﻟﻄﺎﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺩﻳﻮﺍﻥ ﺍﻟﻌﺮﺏ، ﻭﻣﺮﺁﺓ ﻟﺴﺎﻧﻬﻢ، ﻭﻣﺨﺰﻥ ﺣﻜﻤﺘﻬﻢ ﻭﻋﺎﻃﻔﺘﻬﻢ ﻭﻭﻋﻴﻬﻢ ﺍﻟﺠﻤﻌﻲ. ﺑﻴﺖ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻛﺎﻥ ﻳُﺮﺩَّﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺎﻟﺲ، ﻭﻳُﺴﺘﺸﻬﺪ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ، ﻭﺗُﺒﻨﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻮﺍﻗﻒ ﻭﻣﻔﺎﻫﻴﻢ.
ﺑﻞ ﺇﻥ ﻛﺜﻴﺮًﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ، ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﺤﻔﻈﻮﻥ ﺍﻟﻌﺸﺮﺍﺕ ﻣﻦ ﺃﺑﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻨﺒﻲ، ﻭﺃﺣﻤﺪ ﺷﻮﻗﻲ، ﻭﺣﺎﻓﻆ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ، ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ، ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﺷﻌﺮﺍﺀ ﺃﻭ ﺃﺩﺑﺎﺀ.
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻴﻮﻡ، ﻓﺜﻤﺔ ﺟﻴﻞ ﺟﺪﻳﺪ ﻛﺎﻣﻞ ﻧﺸﺄ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺤﻔﻆ ﺑﻴﺘًﺎ ﻭﺍﺣﺪًﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ. ﺟﻴﻞ ﻟﻢ ﻳﻌﺶ ﻋﻼﻗﺔ ﻭﺟﺪﺍﻧﻴﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﺸﻌﺮ، ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺮﻑ ﻟﺬّﺓ ﺗﺮﺩﻳﺪﻩ، ﻭﻻ ﻭﻗﻊ ﺻﻮﺭﻩ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﺨﻴﺎﻝ.
ﻭﻫﺬﺍ ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺗﻐﻴّﺮ ﻋﺎﺑﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﺬﻭﻕ، ﺑﻞ ﺗﺤﻮّﻝ ﻳﺤﻤﻞ ﻓﻲ ﻃﻴّﺎﺗﻪ ﺁﺛﺎﺭًﺍ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻐﺔ، ﻭﺍﻟﻬﻮﻳﺔ، ﻭﻃﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ ﺫﺍﺗﻬﺎ.
ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻮﻣًﺎ ﺭﻓﺎﻫﻴﺔ ﺛﻘﺎﻓﻴﺔ ﺃﻭ ﺗﺮﻓًﺎ ﺑﻼﻏﻴًﺎ، ﺑﻞ ﻛﺎﻥ ﻭﻋﺎﺀً ﻟﻠﻐﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ.
ﻓﺎﻟﺸﻌﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻔﻆ ﺍﻷﻟﻔﺎﻅ، ﻭﺻﺎﻍ ﺍﻟﺼﻮﺭ، ﻭﻏﺬّﻯ ﺍﻟﺬﺍﺋﻘﺔ، ﻭﺭﺑﻂ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺑﺎﻟﻮﺟﺪﺍﻥ. ﻭﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﺗﻌﻠّﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ، ﻭﻓﻬﻤﻮﺍ ﺍﻟﻤﺠﺎﺯ، ﻭﺗﺬﻭّﻗﻮﺍ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝ، ﺑﻞ ﻭﺗﻌﻠّﻤﻮﺍ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ.
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﻳﺮﺿﻊ ﻣﻦ ﺑﻴﺌﺔ ﻟﻐﺘﻪ ﺑﻴﺘًﺎ ﺑﻌﺪ ﺑﻴﺖ، ﻭﻳﺤﻔﻆ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺸﻌﺮ، ﻭﺗﺘﺸﻜﻞ ﺫﺍﺋﻘﺘﻪ ﺍﻟﻠﻐﻮﻳﺔ ﺩﻭﻥ ﺗﻠﻘﻴﻦ. ﺃﻣﺎ ﺍﻵﻥ،
ﻓﻘﺪ ﺻﺎﺭ ﺍﻟﺤﻔﻆ "ﻋﺒﺌًﺎ ﺩﺭﺍﺳﻴًﺎ"، ﻭﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻣﺠﺮﺩ ﻣﺎﺩﺓ ﺗُﺪﺭَّﺱ ﻟﻼﺧﺘﺒﺎﺭ، ﺛﻢ ﺗُﻨﺴﻰ.
ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﻓﺼﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻐﻴّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺍﻟﺮﻗﻤﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻧﻌﻴﺸﻪ. ﻓﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺴﺎﺋﺪﺓ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺗُﻔﻀّﻞ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﻌﺔ، ﻭﺍﻟﻠﻘﻄﺔ ﺍﻟﺨﺎﻃﻔﺔ، ﻭﺍﻟﻌﺒﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺨﺘﺼﺮﺓ.
ﻟﻢ ﺗﻌﺪ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺴﺎﺣﺔ ﺯﻣﻨﻴﺔ ﻟﻠﺘﺄﻣّﻞ ﻓﻲ ﺑﻴﺖٍ ﺷﻌﺮﻱ، ﻭﻻ ﺩﺍﻓﻊ ﻟﺘﺬﻭّﻗﻪ ﺑﺒﻂﺀ. ﻧﺤﻦ ﻧﺴﺘﻬﻠﻚ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺛﻢ ﻧﻤﺮّ، ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﺘﺴﺮّﺏ ﺇﻟﻰ ﺫﺍﻛﺮﺗﻨﺎ ﺃﻭ ﻳﻌﺸّﺶ ﻓﻲ ﻭﺟﺪﺍﻧﻨﺎ.
ﺍﻟﻤﻨﺼّﺎﺕ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﺭﻏﻢ ﻏﻨﺎﻫﺎ ﺑﺎﻟﻤﺤﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ، ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ ﻧﺎﺩﺭًﺍ ﻣﺎ ﺗﺤﺘﻔﻲ ﺑﺎﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻜﻼﺳﻴﻜﻲ ﺃﻭ ﺗُﺤﻔّﺰ ﻋﻠﻰ ﺣﻔﻈﻪ.
ﻭﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠّﻤﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﺍﺭﺱ، ﻟﻸﺳﻒ، ﻳﻘﺪّﻣﻮﻥ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻛﺄﻧﻪ ﻧﺺّ ﺟﺎﻣﺪ ﻻ ﺭﻭﺡ ﻓﻴﻪ، ﻓﻴﻔﻘﺪ ﺑﺮﻳﻘﻪ، ﻭﻳﺘﺤﻮّﻝ ﺇﻟﻰ ﻣﺎﺩﺓ ﺛﻘﻴﻠﺔ.
ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺤﻔﻆ ﺍﻟﺸﻌﺮﻱ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﻓﻘﻂ ﺿﻴﺎﻉ ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺑﻴﺎﺕ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ، ﺑﻞ ﻳﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺗﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﺬﻭﻕ ﺍﻟﻠﻐﻮﻱ ﺍﻟﻌﺎﻡ، ﻭﺿﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﻔﺮﺩﺍﺕ، ﻭﺗﺴﻄّﺢ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ.
ﻓﺎﻟﺸﻌﺮ ﻳﻌﻠّﻤﻨﺎ ﻛﻴﻒ ﻧﺨﺘﺎﺭ ﻛﻠﻤﺎﺗﻨﺎ ﺑﻌﻨﺎﻳﺔ، ﻭﻛﻴﻒ ﻧﻨﺴﺞ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ، ﻭﻛﻴﻒ ﻧﺮﺑﻂ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺑﺎﻟﻌﺎﻃﻔﺔ.
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻳﺮﺑﻂ ﺍﻷﺟﻴﺎﻝ ﺑﺒﻌﻀﻬﺎ. ﺑﻴﺖ ﻭﺍﺣﺪ ﻗﺪ ﻳﺠﻤﻊ ﺍﻟﺠﺪّ ﻭﺍﻟﺤﻔﻴﺪ ﻓﻲ ﺫﺍﻛﺮﺓ ﻟﻐﻮﻳﺔ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ. ﻭﺣﻴﻦ ﺗﻐﻴﺐ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺬﺍﻛﺮﺓ، ﻳﺒﻬﺖ ﺍﻟﺤﺒﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻂ ﺑﻴﻨﻨﺎ ﻭﺑﻴﻦ ﺗﺮﺍﺛﻨﺎ، ﻭﻧﺼﺒﺢ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﻟﻐﺔ ﻻ ﻧﻌﺮﻑ ﺟﻤﺎﻟﻬﺎ.
ﻧﻌﻢ، ﻳﻤﻜﻦ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻓﻲ ﻭﺟﺪﺍﻥ ﺍﻟﺠﻴﻞ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ، ﻻ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﻔﺮﻭﺽ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻴﺔ ﻓﻘﻂ، ﺑﻞ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺃﺩﻭﺍﺕ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﻧﻔﺴﻪ:
ﻗﻨﻮﺍﺕ ﺗﻮﺍﺻﻞ ﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺗﻘﺪّﻡ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﻋﺼﺮﻱ ﻭﺟﺬّﺍﺏ.
ﺃﻧﺸﻄﺔ ﻃﻼﺑﻴﺔ ﻭﻣﺴﺎﺑﻘﺎﺕ ﻟﺤﻔﻆ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻭﻓﻬﻤﻪ، ﻻ ﻟﺘﻘﻴﻴﻢ ﺍﻟﺤﻔﻆ ﻓﻘﻂ.
ﻣﻨﺼّﺎﺕ ﺗﻌﻠﻴﻤﻴﺔ ﺗﻌﻴﺪ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻛﻤﺘﻌﺔ ﻟﻐﻮﻳﺔ، ﻻ ﻛﻮﺍﺟﺐ ﺃﻛﺎﺩﻳﻤﻲ.