Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 16 فبراير 2026 01:30 م

كلا… ليست الكثرة كرامة ولا القلة إهانة

كلا… ليست الكثرة كرامة ولا القلة إهانة

الحمد لله ذي الفضل والإنعام، مقدِّر المقادير، ومقسِّم الأرزاق، يبتلي عباده بالعطاء كما يبتليهم بالمنع، ويرفع أقوامًا ليختبر شكرهم، ويخفض آخرين ليطهّر قلوبهم، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

الحمد لله الذي رزقني القناعة وإن لم يرزقني وفرة المال، ومنحني الاعتدال وإن كانت النفس تميل أحيانًا إلى الإسراف أو الغفلة. الحمد لله الذي سترني في ضعفي، وأكرمني في فقري، وأخرجني من كل ضيق بفضله وكرمه. ما كانت حياتي يومًا خالية من الابتلاء، لكنها لم تكن يومًا خالية من لطف الله.

عشتُ مراحل من عمري وأنا أرى قلة المال، لكنني كنت أرى معها فضل الله أعظم. كنت أفتقد أشياء يملكها غيري، لكنني لم أفتقد الطمأنينة. وكنت أرى من هو أكثر مني مالًا، لكنه أقل مني سكينة. فتعلمت أن الرزق ليس رقمًا في حساب، بل نورًا في القلب، وراحة في الضمير، وسترًا من الله.

رزقني الله أبناءً أسأله أن يجعلهم من البارّين، وأن يكتب لهم التوازن في دنياهم، فلا يُفتنون بالمال إن جاء، ولا يجزعون إن قلّ، بل يكون المال في أيديهم لا في قلوبهم. فكم من مالٍ أفسد صاحبه، وكم من قلةٍ أصلحت قلبًا. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي اختبار، لا علامة كرامة ولا دليل تفضيل.

لقد ابتُليتُ بمن حولي في شدّة تعلّقهم بالمال، وحرصهم عليه، ونظرتهم إلى الدنيا نظرة استحقاق مطلق. أما أنا، فلا أجد في نفسي حبًا لامتلاك المال لذاته، بل أجد راحتي حين أُنفقه في خير، وأعين به من حولي. وربما ورثتُ هذا المعنى من جدّتي، رحمها الله، فقد كانت تحب المال لتنفقه، لا لتجمعه.

وقبل أسابيع، عيّرني أحد أقرب الناس إليّ بقلة ما عندي مقارنةً بما عنده. فاهتز قلبي لحظة، ثم تذكرت أن معيار التفاضل عند الله ليس المال، بل العمل والنية. وتذكرت قوله تعالى في سورة الهمزة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ۝ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾. أيحسب أن المال يطيل عمره؟ أو يرفع قدره؟ أو يمنحه أمانًا من الحساب؟

ثم تأملت آيات سورة الفجر التي تصحح المفاهيم وتكشف زيف الظن:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا﴾.

ثم يبيّن الله حقيقة الخلل فيقول:

﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾.

ليست المشكلة في قلة المال أو كثرته، بل في تعلّق القلب به، وفي حبّه حبًا يطغى على العدل والرحمة. ليست الإهانة في تضييق الرزق، بل في قسوة القلب، وترك الإحسان، وأكل الحقوق.

ثم تهزّنا الآيات بمشهد الآخرة:

﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ۝ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ۝ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ۝ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾.

هناك، لا ينفع مال، ولا يبقى تفاخر، ولا يذكر الناس كم كان في الحساب من أرقام، بل ماذا قدّم العبد لحياته الحقيقية.

ثم تختم السورة بخطاب يملأ القلب طمأنينة:

﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۝ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ۝ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

فيا لها من غاية! أن يكون المرء من أصحاب النفس المطمئنة، الراضية بقضاء الله في الغنى والفقر، في السعة والضيق، في المدح والذم. تلك هي الكرامة الحقيقية.

ونحن على أبواب شهر رمضان، شهر القرآن والتدبر، فلنسأل أنفسنا بصدق: هل نزن الناس بميزان المال؟ هل نفرح إذا كثر ونحزن إذا قلّ؟ أم نعلم أن الدنيا ظل زائل، وأن العبرة بالخاتمة؟

اللهم إني أشكرك على ما مضى من عمري، فقد سترتني وأكرمتني رغم تقصيري. فاسترني فيما بقي، واجعل ما تبقى من عمري خالصًا لوجهك الكريم. وإن قدرت لي سعةً، فلا تفتنّي بها، وإن قدرت عليّ رزقي، فلا تجعل في قلبي ظنًا سيئًا بك. ارزقني نفسًا مطمئنة، ترضى بك في كل حال، وتعلم أن ما عندك خير وأبقى.

الحمد لله على نعمة الرضا، فهي الغنى الذي لا يفنى. والحمد لله على نعمة الإيمان، فهي العزّ الذي لا يُشترى. وما عند الله خيرٌ وأبقى.

Responsive Counter
General Counter
82655
Daily Counter
129