المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 22 فبراير 2026 12:05 ص
هناك مهارة إنسانية راقية لا تعني الضعف ولا التنازل عن الحقوق، بل تعني إدارة الحياة بعقلٍ كبير وقلبٍ واسع: فنّ التغافل. أن ترى الزلة… ثم تختار ألا تُكبرها. وأن تسمع كلمة… ثم تُؤوّلها على خير. وأن تملك القدرة على الرد… ثم تؤثر الصمت إذا كان الصمت أصلح.
لكن التغافل ليس “تطنيشًا” مطلقًا، ولا تبريرًا للخطأ، ولا قبولًا للظلم. التغافل الحقيقي هو توازن:
حفظ حقك بلا عدوان
إعطاء الناس قدرهم بلا تقديس
وتجاوز الصغائر بلا تضييع للكبار
وهنا تأتي “هندسة الحياة”: أن تُحسن اختيار معاركك، وتعرف متى تُمسك زمام الأمر، ومتى تُنزل الأمور منازلها.
القرآن يعلّمنا قاعدة ذهبية في التعامل مع الناس: العفو والصفح والإعراض عن الجاهلين عند عدم المفسدة.
قال تعالى:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} هذه الآية وحدها تبني مدرسة كاملة: خذ السهل من أخلاق الناس، لا تفتش عن كل نقص، واشتغل بالمعروف، وأعرض عن سفاسف الجدل.
وقال تعالى:
{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} القرآن يربط بين عفوك عن الناس ورجائك عفو الله عنك… وهذه أعلى درجات التربية.
وقال تعالى:
{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} ليس المقصود كبت الغضب حتى ينفجر، بل ضبطه ثم توجيه القرار: أعفو حين يكون العفو إصلاحًا.
النبي ﷺ لم يكن سريع الانتقام لنفسه، لكنه كان أشد الناس قيامًا بالحق إذا انتهكت حدود الله أو ضُيّع حق عام.
ومن أصول هذا الباب:
ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب قوة الإنسان ليست في ارتفاع صوته، بل في سيطرته على نفسه لحظة الاستفزاز.
ومن المعاني العظيمة كذلك:
من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة التغافل عن الزلات التي لا تضرّ ولا تفسد… نوع من الستر، والستر باب من أبواب سلامة المجتمع.
وفي التعامل اليومي، كان ﷺ يختار ألطف الأساليب:
كان إذا بلغه عن أحد شيء لا يفضحه بعينه، بل يقول: “ما بال أقوام…” وهذا قمة “الهندسة الاجتماعية” في الإصلاح: تصحيح الخطأ دون كسر صاحبه.
هنا الفاصل الدقيق الذي يخلط فيه كثيرون:
هو التغافل عن:
زلة لسان عابرة
سوء فهم
تصرف غير مقصود
خطأ صغير يتكرر نادرًا
طباع بشرية محتملة (حدّة، نسيان، تقصير يسير)
هذا التغافل يثمر:
دوام المودة
تقليل الخصومات
حفظ الكرامات
وتوفير طاقة النفس للمعارك الأهم
هو التغافل عن:
ظلم متكرر
أذى واضح
فساد في حق عام
انتهاك حدود الله
اعتداء على مال/عرض/أمانة
سلوك يهدد الأسرة أو بيئة العمل أو المجتمع
هنا التغافل ليس حكمة… بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخ الخطأ.
اسأل نفسك قبل الرد أو المواجهة:
هل الخطأ وقع مرة أم أصبح عادة؟ العادة تحتاج موقفًا، أما العابر فالتغافل معه غالبًا أصلح.
هل الضرر خاص أم عام؟ الضرر العام (سمعة، أمانة، حقوق ناس) لا يُترك.
هل السكوت سيزيد الظلم؟ إذا كان السكوت يُغري المسيء بالتمادي فهنا يلزم ضبط الأمر.
هل المواجهة ستصلح أم ستُشعل فتنة أكبر؟ إن كانت المواجهة ستزيد الشر، فاختر أسلوبًا آخر: نصيحة سرية، وساطة، تدرّج.
ما نيتي؟ إصلاح أم انتصار للنفس؟ إذا كانت النية “رد اعتبار” فقط، توقف… قد يكون التغافل عبادة.
الحياة قصيرة، وطاقة القلب محدودة. ليس ذكاءً أن تخوض كل خلاف، ولا شجاعة أن ترد على كل كلمة.
الذكاء الحقيقي أن تقول:
هذا يستحق موقفًا
وهذا لا يستحق دقيقة من عمري
وهذا أُصلحه بالحكمة
وهذا أقطعه إن أفسد حياتي أو أهلي أو ديني
فن التغافل ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية. وليس دعوة للتنازل، بل دعوة للعدل: تعطي كل موقف حجمه الحقيقي.
ومن أجمل ما يختم به هذا الباب: أن يتغافل الإنسان ثقةً بالله، لا خوفًا من الناس… ويتجاوز طلبًا للأجر، لا عجزًا عن الرد… ويعفو عندما يكون العفو صلاحًا، ويقف عندما يكون الوقوف واجبًا.