Logo
إعلان

المقال كتب بواسطة أيمن الحراكي في 12 يونيو 2026 09:54 م

فوبيا القصور الذاتي

فوبيا القصور الذاتي

كيف صنعت حادثة من عام 1985 خوفاً رافقني حتى اليوم

في حياتنا أحداث تمر خلال ثوانٍ معدودة، لكنها تترك آثاراً تمتد لعشرات السنين.

قد ينسى الجميع تلك اللحظات، إلا أن الذاكرة تحتفظ بها وكأنها حدثت بالأمس. ومن بين تلك الذكريات حادثة عشتها عام 1985، ما زلت أعتقد أنها ساهمت في تشكيل جزء من شخصيتي وطريقة نظرتي للمخاطر والحياة.


بداية القصة

كنت حينها في الصف الثالث الثانوي، وكنا مجموعة من الأصدقاء نخرج للمذاكرة معاً.

وكان أحد أصدقائي مولعاً بمادة العلوم، وخصوصاً بقانون القصور الذاتي الذي كان قد درسه حديثاً. أعجبه القانون إلى درجة أنه أصبح يطبقه ويذكره في كل مناسبة تقريباً.

كلما كنا في السيارة وأراد شرح الفكرة، كان يزيد السرعة قليلاً ثم يضغط على الفرامل فجأة وهو يبتسم قائلاً:

"هذا هو القصور الذاتي."

وكنا نضحك جميعاً ونعتبر الأمر مجرد حماس شاب أعجبه ما تعلمه في المدرسة.


يوم كاد أن يتحول إلى مأساة

في أحد الأيام خرجنا للمذاكرة برفقة خاله وأخي.

توقفنا عند جسر كان لا يزال في مراحله الأخيرة من الإنشاء، وكانت معنا كرة قدم نلعب بها.

وأثناء اللعب تدحرجت الكرة على الطريق المنحدر لمسافة طويلة أسفل الجسر.

ركض أخي خلفها حتى تمكن من الإمساك بها بعد مسافة ليست قصيرة.

وعندما أراد العودة، قرر صديقي أن يرجع بالسيارة إلى الخلف ليقله ويعيده إلى مكاننا أعلى الجسر.

لم أكن أعلم أن دقائق قليلة ستصنع ذكرى ترافقني لأربعين عاماً.


اللحظة التي تجمد فيها الزمن

ما حدث بعد ذلك ما زال محفوراً في ذاكرتي حتى اليوم.

إما أن صديقي طلب من أخي ذلك، أو أن أخي فعلها من تلقاء نفسه، فلم أعد أذكر التفاصيل بدقة.

لكن ما أتذكره جيداً أن أخي وضع الكرة داخل السيارة، ثم صعد فوق مقدمتها وأمسك بمساحات الزجاج الأمامي بينما السيارة تستعد للحركة.

في تلك اللحظة، ومن مسافة بعيدة، أدركت ما قد يحدث.

تذكرت فوراً هوس صديقي بقانون القصور الذاتي.

وشعرت بخطر لا يراه أحد غيري.

بدأت أصرخ بأعلى صوتي:

"لا تفعل... لا تفعل... لا تفعل!"

لكن المسافة كانت كبيرة.

ولم يستجب أحد.


عندما تحول القانون إلى واقع

انطلقت السيارة وأخي متشبث بمقدمتها.

وعندما اقتربت السيارة من مكاننا ضغط صديقي على الفرامل.

في لحظات قليلة فقط...

تم تطبيق قانون القصور الذاتي عملياً.

استمرت السيارة في التباطؤ، لكن جسم أخي واصل الحركة إلى الأمام.

فتشقلب فوق مقدمة السيارة وسقط على الأرض.

إلى هذه اللحظة ما زلت أعتقد أن الله ألهم صديقي أن يضغط الفرامل على عدة مراحل وليس دفعة واحدة.

فأي توقف أعنف ربما كان سيؤدي إلى سقوط أخي تحت السيارة ومرورها فوقه.

لحسن الحظ انتهت الحادثة ببعض الخدوش والخوف الشديد فقط.


الدرس الذي تعلمه الجميع

أما صديقي، فقد نزل من السيارة وقد اختفت من وجهه كل الحماسة التي كان يتحدث بها عن القصور الذاتي.

في تلك اللحظة تحول القانون من فكرة جميلة في كتاب العلوم إلى واقع يمكن أن يؤذي الناس إذا استُخدم بلا تفكير.

وأظن أنه منذ ذلك اليوم لم يعد ينظر إلى ذلك القانون بالطريقة نفسها أبداً.


أربعون عاماً من الأثر النفسي

مرت السنوات...

ثم العقود.

لكن الغريب أن أثر الحادثة لم يختفِ من داخلي.

لقد صنعت لدي نوعاً من الحساسية المفرطة تجاه المخاطر.

أصبحت أقلق كثيراً على أولادي وأقاربي.

لا أشعر بالراحة حتى أعلم أنهم عادوا إلى المنزل بسلام.

وإذا سافر أحدهم أجد نفسي أتابع رحلته بالاتصالات والرسائل حتى أتأكد من وصوله إلى وجهته.

قد يسمي البعض ذلك قلقاً زائداً.

وربما يكون كذلك فعلاً.

لكنني أعتقد أن جذوره تعود إلى تلك اللحظة البعيدة من عام 1985، عندما رأيت بعيني كيف يمكن لثوانٍ قليلة من الاستهتار أن تتحول إلى مأساة.


العلم وحده لا يكفي

الدرس الحقيقي الذي تعلمته من تلك الحادثة لا يتعلق بالقصور الذاتي وحده.

بل بكل معرفة نتعلمها في حياتنا.

فالعلم يمنحنا القدرة على الفهم.

لكنه لا يمنحنا الحكمة تلقائياً.

يمكن لأي إنسان أن يحفظ قانوناً أو نظرية أو فكرة جديدة.

لكن الأخطر هو أن يحاول تطبيقها دون تقدير للعواقب والمخاطر المحيطة بها.

لقد كان قانون القصور الذاتي صحيحاً مئة بالمئة.

لكن الخطأ لم يكن في القانون.

الخطأ كان في تجاهل نتائجه.


الخلاصة

منذ ذلك اليوم أصبحت أؤمن أن المعرفة وحدها لا تكفي.

وأن الحكمة تبدأ عندما نسأل أنفسنا قبل أي تجربة أو تطبيق:

ماذا يمكن أن يحدث لو سارت الأمور بشكل أسوأ مما أتوقع؟

فبين العلم والحكمة خطوة صغيرة...

لكنها أحياناً تفصل بين حادثة تُروى بعد أربعين عاماً،

ومأساة لا يمكن إصلاحها.

Responsive Counter
General Counter
103539
Daily Counter
129