عملية توسيع الفشة
مقاربة ساخرة وعميقة لضيق الصدر وسرعة الغضب، وكيف يصبح التنفس والتريث وضبط النفس علاجًا أخلاقيًا واجتماعيًا قبل أي علاج آخر.

خلال العقدين الماضيين انتشرت عمليات تكميم المعدة بشكل كبير في أنحاء العالم. والهدف منها معروف: تقليل حجم المعدة حتى لا يتمكن الإنسان من تناول كميات كبيرة من الطعام تفوق حاجته الطبيعية.
فالإنسان الذي لا يستطيع ضبط شهيته قد يجد نفسه مع مرور السنوات أسيراً لعاداته الغذائية، فتتوسع معدته شيئاً فشيئاً، ويزداد استهلاكه للطعام، ويزداد وزنه، وتبدأ سلسلة طويلة من المشكلات الصحية المعروفة.
ورغم أن الطب وجد حلولاً جراحية لهذه المشكلة، فإن الحكماء والأطباء ورجال الدين والمربين عبر التاريخ كانوا يجمعون على نصيحة واحدة:
حاول أن تضبط نفسك قبل أن تضطر إلى علاج نتائج عدم ضبطها.
وأنا أتأمل هذه الفكرة خطر في بالي سؤال مختلف تماماً:
إذا كان الطب قد اخترع عملية لتصغير المعدة، فهل سيأتي يوم يخترع فيه عملية لتوسيع "الفشة"؟
والفشة في بعض اللهجات العربية هي الرئتان اللتان نتنفس بهما.
لكنني لا أقصد المعنى الطبي الحرفي، بل أقصد المعنى النفسي والاجتماعي والأخلاقي الذي يقصده الناس عندما يقولون لشخص غاضب:
"وسع فشتك."
لماذا نربط التنفس بالهدوء؟
ربما لأن أول ما يحدث للإنسان عندما يغضب هو أن يضيق نفسه ويقصر تنفسه.
تتسارع ضربات القلب، وتتشنج العضلات، ويضيق مجال التفكير، فيصبح الإنسان أسيراً للحظة الانفعال.
أما عندما يأخذ نفساً عميقاً فإن جسده يبدأ تدريجياً بالعودة إلى حالة أكثر هدوءاً واتزاناً. ولهذا تنصح المدارس النفسية الحديثة، كما نصحت الحكم الإنسانية القديمة، بالتريث والتنفس العميق وتأخير رد الفعل عند الغضب.
ولعل أجمل ما في الأمر أن الأديان والحكماء والفلاسفة والأطباء جميعهم تقريباً اتفقوا على حقيقة واحدة:
ليس المطلوب أن يختفي الغضب من الإنسان، بل المطلوب أن يسيطر الإنسان على غضبه.
فالإنسان بلا غضب قد يفقد قدرته على الدفاع عن حقه، لكن الإنسان الذي يغضب لكل صغيرة وكبيرة يتحول غضبه إلى عبء عليه وعلى من حوله.
موقف بسيط أثار سؤالاً كبيراً
اليوم تذكرت هذه الفكرة عندما صليت المغرب في أحد مساجد السوق.
كان المؤذن شاباً صغيراً في السن، ثم تقدم فأم الناس في الصلاة. لم يكن صوته مرتفعاً بشكل استثنائي، ولم تكن قراءته متكلفة أو استعراضية، لكنها كانت هادئة ومنضبطة وواضحة الحروف بصورة لافتة.
وكان أكثر ما شد انتباهي ذلك التأني غير العادي في الأذان والقراءة.
وبعد الصلاة وجدت نفسي أتساءل:
هل يعكس هذا الهدوء في الأداء هدوءاً في الطبع أيضاً؟
لا أعلم.
لكنني أعتقد أن الطباع الهادئة تترك آثارها على معظم تصرفات الإنسان، كما أن الطباع الحادة تظهر هي الأخرى في الكلام والمشي والتعامل وردود الأفعال.
هل يستطيع الطب علاج سرعة الغضب؟
وهنا نصل إلى السؤال الأهم:
هل يمكن للطب مستقبلاً أن يعالج سرعة الغضب كما يعالج كثيراً من المشكلات الجسدية؟
ربما.
فالعلم يكتشف كل يوم المزيد عن تأثير الهرمونات والكيمياء العصبية والجينات وأنماط الحياة على السلوك الإنساني. وربما تظهر مستقبلاً وسائل أفضل لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من الاندفاع الشديد أو سرعة الانفعال.
لكن تجربتي الشخصية جعلتني أتأمل هذا السؤال بصورة أعمق.
تجربتي مع البروزاك
لأن هذه المشكلة رافقتني سنوات طويلة، فقد حاولت في مرحلة من حياتي البحث عن حلول مختلفة، ومنها تجربة بعض الأدوية النفسية التي توصف أحياناً للمساعدة في تخفيف التوتر والانفعال.
أتذكر أنني جربت البروزاك لفترة من الزمن على أمل أن يساعدني في السيطرة على سرعة الغضب وحدة الطبع.
وبالفعل شعرت في البداية بشيء من التحسن والهدوء النسبي، وكأن حدة الانفعال قد انخفضت قليلاً مقارنة بالسابق.
لكن هذا التأثير لم يستمر كما كنت أتمنى، أو ربما لم يكن بالحجم الذي يحدث فرقاً حقيقياً في شخصيتي وطريقة تفاعلي مع المواقف اليومية.
وخلال تلك المرحلة تحدثت مع عدد من المختصين وأصحاب الخبرة، فنصحني أكثر من شخص بألا أدخل نفسي في دوامة طويلة من الأدوية النفسية ما لم تكن هناك حاجة طبية واضحة ومؤكدة.
وكان رأيهم أن بعض المشكلات السلوكية والشخصية قد تستجيب بصورة أفضل للتدريب النفسي والسلوكي وتغيير العادات اليومية أكثر من استجابتها للأدوية وحدها.
عندما يتعارض الهدوء مع طبيعة العمل
هناك سبب آخر جعلني أتوقف عن هذا المسار.
فطبيعة حياتي منذ عشرات السنين قائمة على التركيز الذهني المستمر في البرمجة والتطوير والقراءة والكتابة والتعلم.
وكنت أشعر أن بعض الأدوية النفسية تمنح قدراً من الهدوء، لكنها في المقابل قد تجلب شيئاً من الفتور أو النعاس أو انخفاض الحماس الذهني.
وربما لا يمثل ذلك مشكلة لبعض الناس، لكنه كان بالنسبة لي أمراً مؤثراً على نمط حياتي وعطائي الفكري.
ولهذا قررت التوقف مبكراً عن هذا الطريق، ليس لأن الأدوية النفسية غير مفيدة، فهناك أناس كثيرون استفادوا منها تحت إشراف طبي متخصص، ولكن لأنني شعرت أن هذا الخيار لم يكن الأنسب لحالتي الشخصية.
ما لا يستطيع الدواء أن يفعله
ومنذ ذلك الوقت أصبحت أميل أكثر إلى فكرة أن معركة الإنسان مع غضبه تشبه إلى حد كبير معركته مع أي عادة أخرى في حياته.
إنها عملية طويلة من المراقبة والتدريب والتعلم والتعثر والمحاولة من جديد.
فحتى لو اكتشف الطب مستقبلاً أدوية أفضل أو وسائل أكثر فاعلية لعلاج سرعة الغضب، فسيبقى هناك جانب لا يستطيع أي دواء أن يحل محله بالكامل.
إنه جانب التربية.
فالإنسان يتعلم الصبر كما يتعلم القراءة.
ويتعلم ضبط النفس كما يتعلم قيادة السيارة.
ويتعلم كظم الغيظ بالتدريب المتكرر على كظم الغيظ.
ولهذا لم تكن النصوص الدينية والأخلاقية عبر التاريخ تدعو الإنسان إلى تغيير طبيعته، بل إلى تهذيبها.
الثمن الذي يدفعه أصحاب الطباع الحادة
فصاحب الطبع الحاد لا يعاني وحده.
- زوجته تعاني.
- أبناؤه يعانون.
- أصدقاؤه يعانون.
- زملاؤه في العمل يعانون.
وأحياناً يخسر فرصاً وعلاقات وصداقات لا بسبب قلة علمه أو ضعف قدراته، بل بسبب كلمة قالها في لحظة غضب لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودة.
والمؤلم أكثر أن كثيراً من أصحاب الطباع الحادة يكونون من أطيب الناس قلوباً بعد أن يهدؤوا، لكن الضرر يكون قد وقع بالفعل.
ولهذا فإن مشكلة الغضب ليست مشكلة شخصية فقط، بل هي مشكلة اجتماعية أيضاً.
فالشخص الهادئ ينشر الطمأنينة في بيته ومحيطه، بينما ينشر الشخص سريع الغضب حالة من التوتر الدائم حتى لو كان حسن النية.
ربما لا نحتاج إلى عملية جراحية
وربما لهذا السبب ما زلت أبحث، ليس عن دواء يغير شخصيتي، بل عن طريقة تجعل صدري أوسع، وصبري أطول، وردود أفعالي أكثر هدوءاً وحكمة.
فربما لا نحتاج إلى عملية جراحية لتوسيع الفشة بقدر ما نحتاج إلى تدريب يومي لتوسيع الصدر.
نحتاج إلى:
- مساحة أكبر من الصبر.
- مساحة أكبر من التريث.
- مساحة أكبر من التسامح.
- مساحة أكبر بين لحظة الغضب ولحظة الرد.
فكلما اتسعت هذه المساحة اتسعت معها حكمة الإنسان.
وربما يكون معنى:
"وسع فشتك"
أعمق بكثير مما نظن.
إنه دعوة لأن يصبح صدر الإنسان أوسع من استفزازه، وأكبر من غضبه، وأقوى من انفعاله.
فبعض الناس يحتاجون إلى تكميم المعدة.
أما كثير منا، ومنهم كاتب هذه السطور، فيحتاجون أحياناً إلى توسيع الفشة.
مقالات ذات صلة
لن أعيش بجلباب أبي ولكن سأخلع أبي وجلبابه نهائياً وأعيش كما أريد
يتناول المقال ظاهرة انسلاخ بعض الأبناء عن قيم أبائهم بتأثير من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحول الأب في نظرهم إلى عائق بدلاً من القدوة، واستُبدل بالمؤثرين. وتستعرض السطور مظاهر هذه الفجوة كامتناع الابن عن مشاركة محتوى والده أو مسح تعليقاته، محللة الأسباب بين التقديس الافتراضي وانفصام الهوية. ويختتم بالدعوة لاستعادة جسور الثقة بالحوار، والصبر، وتقديم القدوات الصالحة بدلاً من الجفاف الرقمي.
خير الناس أنفعهم للناس - حين تصبح خدمة الخلق بابًا إلى خير الدنيا والآخرة
خير الناس أنفعهم للناس؛ فمساعدة المحتاج نعمة وأمانة، يعود خيرها على صاحبها في الدنيا والآخرة. وتعلمنا قصة موسى عليه السلام أن النجدة تحتاج رحمةً وحكمة؛ فقد سقى للمرأتين وهو غريب محتاج، فساق الله إليه الأمن والعمل والأسرة. وفي زماننا لا ينبغي أن يمنعنا الخوف من مساعدة المنقطعين، بل نعينهم بحذر واتصال بالجهات المختصة. فالخير لا يضيع، وأبقى ما يتركه الإنسان أثر نافع في حياة الآخرين ورحمة مسؤولة.
قبل أن تَشتم بالكلب وتخيف بالذئب - موعظة للبشر من عالمٍ ظنناه أقلَّ منّا
قبل أن تشتم بالكلب أو تخيف بالذئب، تأمل ما في حياتهما من دروس. فالذئب يعيش ضمن أسرة متعاونة، يحمي صغاره، يستفيد من خبرة كبارها، ويوزع المسؤوليات من أجل البقاء. والكلب يضرب مثالًا في الوفاء وحفظ المعروف. فإذا كانت الحيوانات تمارس بفطرتها التعاون والرعاية والثبات، فكيف بالإنسان الذي وهبه الله عقلًا وضميرًا؟ كن وفيًا لوالديك وأصدقائك، رحيمًا بالضعيف، محترمًا للكبير، قويًا بلا ظلم، وعزيزًا بلا كبر.
