رسالة قلبية إلى من أكرمهم الله بصحبة القرآن
رسالة إلى أهل القرآن تذكّرهم بعظمة الاصطفاء ومسؤولية الإخلاص، وأن يظهر أثر كلام الله في القلب والخلق والحياة.

في زمنٍ تتزاحم فيه الدنيا على القلوب، وتتشابك فيه الهموم، اصطفى الله منكم فئةً عظيمة، وشرّفكم بشرفٍ لا يعدله شرف: القرب اليومي من كتابه الكريم؛ دراسةً، أو حفظًا، أو تعليمًا، أو تلاوةً دائمة.
اعلموا — رحمكم الله — أن هذا الاصطفاء ليس أمرًا عابرًا، ولا مجرد مسارٍ دراسي أو وظيفةٍ تؤدّى، بل هو نعمةٌ كبرى واختيارٌ رباني. لقد أكرمكم الله بأن جعلكم على صلةٍ مباشرة بكلامه، بالكلام الذي أنزله هدىً للعالمين، ونورًا للقلوب، وشفاءً للصدور. فاجعلوا هذا القرب بركةً تنبع من داخل قلوبكم قبل أن يظهر أثرها في ألسنتكم وأعمالكم.
أنتم — إن صدقت النيّة — من الذين شملهم قول النبي ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلّمه». وهذه الخيرية ليست ثناءً لفظيًا، بل مقامٌ عظيم، ومسؤوليةٌ ثقيلة، وفضلٌ يستوجب شكرًا دائمًا. لقد اختاركم الله لتكونوا حملة كلامه، وسفراء كتابه، وأمناء نوره في الأرض.
فإيّاكم أن يتحوّل القرآن في حياتكم إلى عادةٍ بلا روح، أو مهنةٍ بلا إخلاص، أو تكرارٍ يخلو من حضور القلب. لا تجعلوا علاقتكم به علاقة وقتٍ وساعات، بل علاقة حياةٍ ومعنى. لا تقرؤوه بألسنتكم فقط، وتغيب آثاره عن أخلاقكم وقراراتكم ونظرتكم للدنيا.
لا تنظروا إلى الدنيا بعين التنافس والحرص، ولا تقيسوا النجاح بكثرة المال ولا بزخرف المناصب. فوالله، رزقٌ قليلٌ باركه الله بسبب القرآن، خيرٌ من أموالٍ طائلةٍ أُشغلت بها القلوب عن الله. وما عند الله لا يُنال إلا بالإخلاص، ولا يدوم إلا بالصدق.
اجعلوا عملكم كلّه لله: تعليمكم، وحفظكم، وتلاوتكم، وصبركم، وتعبكم، وساعاتكم الطويلة مع كتابه. فمن جعل القرآن لله، جعله الله له في كل شيء.
وادعوا ربكم دائمًا، في خلواتكم وسجودكم، أن يجعل القرآن:
- نورًا لكم في الدنيا يهدي قلوبكم ويثبّتكم،
- ونورًا في قبوركم يؤنس وحشتكم،
- ونورًا في آخرتكم يقودكم إلى رضوانه وجنته.
طوبى لكم بهذا الشرف العظيم، وطوبى لمن عرف قدر النعمة، وحفظ الأمانة، وسار بالقرآن قلبًا وسلوكًا قبل أن يسير به لسانًا.
مقالات ذات صلة
الجزع والمنع ... وبصيرة المؤمن عند المصائب والمحن
يتناول المقال طبيعة الإنسان الهلوع: جزوع عند الشر، منوع عند الخير، ولا يتغلب عليها إلا إيمان قوي ويقين بقضاء الله. ويوضح أن المصائب والمرض ابتلاء، وأن الإنسان لا يموت بمرض بل بأجله، فالمرض سبب والأجل مكتوب. فالمؤمن بالصبر والرضا والتوكل يتحول بلاؤه إلى رحمة وأجر، ويبقى مطمئناً برحمة الله، مستعيناً بالدعاء والرقية، عالماً أن الفرج مع الصبر. وأن الجزع والمنع طبع يحتاج إلى مجاهدة وصبر، فالبصيرة الإيمانية تعينه.
الحكمة وفصل الخطاب: قراءة تدبرية في العطاء الإلهي لداود عليه السلام
يتناول المقال تفسير قوله تعالى: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) لداود عليه السلام، ويحلل العلاقة بين الحكمة وفصل الخطاب، مؤكدًا أن الحكمة تثمر خطابًا فاصلًا واضحًا، وأن الهدوء والأناة وذكر الله قبل الكلام تهيّئ القلوب وترفع الاستعداد للاستماع، مع بيان توافق هذا التأمل مع أقوال المفسرين، واستخلاص دروس عملية للتواصل المعاصر. كما يبرز أن البلاغة وسيلة لخدمة الحق والعدل لا غاية بذاتها.
هذا من فضل ربي - حين تصبح النعمة اختبارًا لا سببًا للغرور
يعلّمنا موقف سليمان عليه السلام عند إحضار عرش ملكة سبأ أن أعظم النعم لا ينبغي أن تقود إلى الغرور، بل إلى الشكر والتواضع. فقد قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. فالمال والعلم والقوة والجاه اختبارات، والمؤمن الحق ينسب الفضل لله، ويزداد بالنعم ورعًا وإحسانًا وتواضعًا، ولا يجعل نجاحه سببًا لنسيان المنعم.