دعوها فإنها منتنة
تفكيك لخطر العصبية القبلية والفئوية، وكيف يحفظ العدل والحق أخوة المجتمع من دعوات الجاهلية والانقسام.

من أعظم ما يلفت الانتباه في كلام رسول الله ﷺ أنه كان يختار الكلمات القليلة التي تحمل المعاني الكثيرة.
ومن هذه الكلمات العظيمة قوله ﷺ:
"دعوها فإنها منتنة."
جملة قصيرة.
لكنها تختصر تاريخاً طويلاً من الصراعات والخلافات التي أهدرت الطاقات وأسقطت الأمم وفرقت الإخوة وجعلت الأقارب أعداء.
عندما عاد الناس إلى الجاهلية للحظات
يروي أهل السير أن خلافاً وقع بين بعض الصحابة رضي الله عنهم.
فنادى رجل من المهاجرين:
يا للمهاجرين!
ورد آخر من الأنصار:
يا للأنصار!
ولم تكن المشكلة في الكلمات نفسها.
فالمهاجرون شرف.
والأنصار شرف.
وكلتا الطائفتين من خير خلق الله بعد الأنبياء.
لكن المشكلة كانت في استدعاء الانتماء القبلي أو الفئوي ليكون سلاحاً في نزاع بين الإخوة.
فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال مستنكراً:
"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟"
ثم قال كلمته الخالدة:
"دعوها فإنها منتنة."
يا لروعة هذا الوصف
تأمل كلمة:
منتنة.
النتن هو الرائحة الكريهة التي تخرج من الجيفة بعد فسادها وتعفنها.
شيء مات منذ زمن.
وانتهى أمره.
وأصبح وجوده مؤذياً لمن حوله.
وهكذا وصف النبي ﷺ العصبية الجاهلية.
لم يصفها بأنها خطأ فقط.
ولم يصفها بأنها معصية فقط.
بل وصفها بأنها شيء متعفن ينبغي الابتعاد عنه.
وكأن الرسول ﷺ يقول لنا:
كما تنفرون من الجيفة المتعفنة ففروا من العصبيات التي تفسد القلوب وتفسد العلاقات وتفسد المجتمعات.
الشيطان لا يحتاج إلى أكثر من ذلك
ما أكثر ما تبدأ المشكلات بكلمة صغيرة.
خلاف بسيط.
سوء فهم عابر.
نزاع على مال.
اختلاف على رأي.
ثم يتدخل الشيطان.
فيتحول الخلاف بين شخصين إلى خلاف بين عائلتين.
ثم إلى خلاف بين قبيلتين.
ثم إلى خلاف بين جماعتين.
ثم إلى انقسام مجتمع كامل.
فإذا بالعقل يغيب.
والعدل يضيع.
والحق يصبح تابعاً للانتماء لا للحقيقة.
عندها لا يعود السؤال:
من المحق؟
بل يصبح السؤال:
مع أي فريق أنت؟
وهنا تبدأ الكارثة.
ليس أخي دائماً على حق
جاء الإسلام ليقتلع هذه الفكرة من جذورها.
فلم يجعل معيار الحكم هو القرابة.
ولا القبيلة.
ولا اللون.
ولا البلد.
ولا الجماعة.
ولا الحزب.
ولا المصلحة.
بل جعل المعيار هو العدل.
فالعدل قيمة أعلى من الانتماء.
والحق أكبر من القبيلة.
والحقيقة أسمى من العصبية.
ولهذا أمر الله تعالى بالعدل حتى مع من نختلف معهم.
وأمر بالإنصاف حتى مع الخصوم.
وأمر بأداء الأمانة إلى أهلها مهما كانت هويتهم أو انتماءاتهم.
فالمؤمن لا ينصر أخاه لأنه أخوه.
بل ينصره إذا كان مظلوماً.
أما إذا كان ظالماً فإنه ينصره بمنعه من الظلم.
وهذا من أعظم مفاهيم الإسلام التي غيرت وجه التاريخ.
كم دفعت الأمة ثمناً لهذه العصبيات؟
لو تأملنا تاريخ البشرية لوجدنا أن كثيراً من الحروب والنزاعات والفتن لم تبدأ بسبب العقائد الكبرى أو المبادئ العظيمة.
بل بدأت بسبب العصبية.
عصبية القبيلة.
عصبية العائلة.
عصبية العرق.
عصبية الوطن.
عصبية الحزب.
عصبية الجماعة.
ثم تتحول المشاعر إلى خصومات.
والخصومات إلى كراهية.
والكراهية إلى صدام.
والصدام إلى دماء وخراب.
وما تأخرت أمتنا عن مكانتها بين الأمم إلا عندما قدمت الانتماءات الضيقة على مبادئ العدل والحق.
فأصبح كثير من الناس يدافعون عن المخطئ لأنه قريبهم.
ويهاجمون المصيب لأنه ليس منهم.
وهنا تضيع الموازين.
الخلاف ليس المشكلة
الإسلام لم يمنع الاختلاف.
فالاختلاف سنة بشرية.
وسيظل الناس مختلفين في أفكارهم واجتهاداتهم ومصالحهم.
لكن المشكلة ليست في وجود الخلاف.
المشكلة في طريقة التعامل معه.
يمكن أن نختلف ونتحاور.
يمكن أن نختلف ونحتكم إلى القضاء.
يمكن أن نختلف ونرجع إلى الشرع.
يمكن أن نختلف ونبقى إخوة.
لكن عندما يتحول الخلاف إلى تعصب أعمى فإن العقل يغادر المكان ويبدأ الشيطان عمله.
قبل أن تنصر فريقك
عندما تسمع نزاعاً داخل عائلتك.
أو بين أبناء قبيلتك.
أو بين أهل بلدك.
أو داخل أمتك.
فاسأل نفسك سؤالاً واحداً:
هل أنا أبحث عن الحق؟
أم أبحث عمن أنصره؟
فإن كنت تبحث عن الحق فستقترب من العدل.
أما إن كنت تبحث فقط عن فريق تنتمي إليه فقد وقعت في الفخ الذي حذر منه النبي ﷺ قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.
دعوها
كم من أخوين افترقا بسبب العصبية.
وكم من عائلات تمزقت بسبب العصبية.
وكم من قبائل تناحرت بسبب العصبية.
وكم من أوطان دفعت أثماناً باهظة بسبب العصبية.
ولهذا بقيت تلك الكلمات النبوية تتردد عبر القرون كأنها قيلت اليوم:
"أبدعوى الجاهلية؟"
ثم تأتي الإجابة الحاسمة:
"دعوها فإنها منتنة."
فإذا أردنا إصلاح بيوتنا ومجتمعاتنا وأمتنا، فعلينا أن ندفن هذه الجيفة الفكرية قبل أن تنشر رائحتها في كل مكان.
وأن نجعل العدل فوق العصبية.
والحق فوق الانتماء.
والأخوة فوق الخصومة.
فما جمعه الإيمان لا ينبغي أن تفرقه نزوات الجاهلية.
مقالات ذات صلة
لن أعيش بجلباب أبي ولكن سأخلع أبي وجلبابه نهائياً وأعيش كما أريد
يتناول المقال ظاهرة انسلاخ بعض الأبناء عن قيم أبائهم بتأثير من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحول الأب في نظرهم إلى عائق بدلاً من القدوة، واستُبدل بالمؤثرين. وتستعرض السطور مظاهر هذه الفجوة كامتناع الابن عن مشاركة محتوى والده أو مسح تعليقاته، محللة الأسباب بين التقديس الافتراضي وانفصام الهوية. ويختتم بالدعوة لاستعادة جسور الثقة بالحوار، والصبر، وتقديم القدوات الصالحة بدلاً من الجفاف الرقمي.
خير الناس أنفعهم للناس - حين تصبح خدمة الخلق بابًا إلى خير الدنيا والآخرة
خير الناس أنفعهم للناس؛ فمساعدة المحتاج نعمة وأمانة، يعود خيرها على صاحبها في الدنيا والآخرة. وتعلمنا قصة موسى عليه السلام أن النجدة تحتاج رحمةً وحكمة؛ فقد سقى للمرأتين وهو غريب محتاج، فساق الله إليه الأمن والعمل والأسرة. وفي زماننا لا ينبغي أن يمنعنا الخوف من مساعدة المنقطعين، بل نعينهم بحذر واتصال بالجهات المختصة. فالخير لا يضيع، وأبقى ما يتركه الإنسان أثر نافع في حياة الآخرين ورحمة مسؤولة.
قبل أن تَشتم بالكلب وتخيف بالذئب - موعظة للبشر من عالمٍ ظنناه أقلَّ منّا
قبل أن تشتم بالكلب أو تخيف بالذئب، تأمل ما في حياتهما من دروس. فالذئب يعيش ضمن أسرة متعاونة، يحمي صغاره، يستفيد من خبرة كبارها، ويوزع المسؤوليات من أجل البقاء. والكلب يضرب مثالًا في الوفاء وحفظ المعروف. فإذا كانت الحيوانات تمارس بفطرتها التعاون والرعاية والثبات، فكيف بالإنسان الذي وهبه الله عقلًا وضميرًا؟ كن وفيًا لوالديك وأصدقائك، رحيمًا بالضعيف، محترمًا للكبير، قويًا بلا ظلم، وعزيزًا بلا كبر.
