العدو… الذي حذّر الله سبحانه وتعالى منه
تعريف بمداخل الشيطان المتنوعة من الشك والرياء والتسويف إلى الحسد والغضب، وكيف يحقق المؤمن معنى اتخاذه عدوًا.

ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾؟
إنها آية واضحة جليّة، تحمل توجيهًا ربانيًا صريحًا يحدد طبيعة العلاقة بين الإنسان وهذا العدو القديم.
منذ أن أُنظِر إبليس، وهو يمارس وساوسه وخططه، مستغلًا ما أودعه الله فيه من معرفة بطبيعة الإنسان وضعفه، ليقوده إلى الفواحش، والشرك، والبعد عن الله، وارتكاب المعاصي والآثام. وكان أول ما وقع فيه وأوقع غيره من بعده: الحسد، والكبر، ومخالفة أمر الله سبحانه وتعالى.
ولا يزال ابن آدم في صراعٍ مع هذه الوساوس ما لم يلتزم بهذا التوجيه الإلهي الصريح: فاتخذوه عدوًا.
فهل أوضح من هذا البيان الإلهي في كشف حقيقة عدوٍ يعلم مواطن ضعفنا، ويتربص بنا في كل لحظة؟
إن الإنسان بطبعه يحذر من عدوه، فكيف إذا كان هذا العدو يوسوس له من داخل نفسه، ويجري منه مجرى الدم كما ثبت في النصوص؟
من أبرز الوساوس التي يزرعها الشيطان في بني آدم:
- وسوسة الشك في العقيدة، والتشكيك في وجود الله أو قدره أو حكمته
- وسوسة الرياء وحب الظهور والعمل لغير الله
- وسوسة التسويف في الطاعة وتأخير التوبة
- وسوسة اليأس من رحمة الله والقنوط من مغفرته
- وسوسة الغرور بالعمل الصالح واحتقار الآخرين
- وسوسة الشهوات وإثارة الغرائز والوقوع في المحرمات
- وسوسة الحسد والغلّ وإثارة العداوات بين الناس
- وسوسة الخوف من الفقر أو المستقبل بما يضعف التوكل على الله
- وسوسة الغضب وفقدان السيطرة حتى يقع الإنسان في الظلم
إن الشيطان لا يأتي من باب واحد، بل هو عدو متعدد المداخل والمسالك، يتنقل بين ثنايا النفس كلها. فإذا أُغلق عليه باب، لجأ إلى غيره، وإذا فشل في وسوسة انتقل إلى سواها. وهو لا يكلّ ولا يملّ، بل يختار لكل إنسان ما يناسب ضعفه الخاص، فيتدرج معه حتى يوقعه في الزلل.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، في إشارة إلى شمول وسوسته وتنوع أساليبه.
ومن القصص المعبرة في هذا الباب ما يُروى عن عابدٍ من بني إسرائيل، وهي قصة مشهورة في كتب الوعظ:
كان هناك عابد من بني إسرائيل قد انقطع للعبادة في صومعته سنين طويلة، وكان الشيطان يجهد في إغوائه بكل سبيل فلم يفلح. حاول أن يأتيه من باب الشهوة فلم يستجب، ومن باب الدنيا فلم يلتفت، ومن باب المال فلم ينجرف.
فلما عجز عنه في أبواب المعصية الظاهرة، لجأ إلى بابٍ أخطر: باب الغرور بالدين.
فوسوس له الشيطان أن عبادته عظيمة، وأنه من أولياء الله المقربين، حتى تسلل إلى قلبه شيء من الإعجاب بالنفس والاغترار بالعمل، فاختلّ ميزان الخوف والتواضع في قلبه، فكان ذلك مدخله لإفساد قلبه بعد أن عجز عن إفساد عمله.
وهكذا يتبين أن هذا العدو لا ييأس، بل يغيّر أساليبه بحسب حال الإنسان: فإن وجد ضعفًا في الشهوة دخل منها، وإن وجد قوة في العبادة دخل من باب العجب والغرور، وإن وجد علمًا دخل من باب الرياء، وإن وجد غفلة دخل من باب التسويف.
فهو عدو متربص، لا يترك بابًا إلا طرقه، ولا وسيلة إلا جربها، حتى يضل ابن آدم إن لم يكن على يقظة دائمة واستعانة بالله.
ومن هنا تتجلى أهمية المراقبة الدائمة للنفس: هل هذه الخاطرة من هدى الله أم من وساوس الشيطان؟ كما تتجلى ضرورة الالتزام بالأذكار والتحصينات الشرعية، ومجاهدة النفس عند كل خاطر، قبل أن تتحول الوسوسة إلى فعل، ثم إلى عادة، ثم إلى هلاك.
إن إدراك هذه الحقيقة هو بداية النجاة، واليقظة المستمرة منها هي سبيل الثبات، حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا إن شاء الله.
مقالات ذات صلة
الجزع والمنع ... وبصيرة المؤمن عند المصائب والمحن
يتناول المقال طبيعة الإنسان الهلوع: جزوع عند الشر، منوع عند الخير، ولا يتغلب عليها إلا إيمان قوي ويقين بقضاء الله. ويوضح أن المصائب والمرض ابتلاء، وأن الإنسان لا يموت بمرض بل بأجله، فالمرض سبب والأجل مكتوب. فالمؤمن بالصبر والرضا والتوكل يتحول بلاؤه إلى رحمة وأجر، ويبقى مطمئناً برحمة الله، مستعيناً بالدعاء والرقية، عالماً أن الفرج مع الصبر. وأن الجزع والمنع طبع يحتاج إلى مجاهدة وصبر، فالبصيرة الإيمانية تعينه.
الحكمة وفصل الخطاب: قراءة تدبرية في العطاء الإلهي لداود عليه السلام
يتناول المقال تفسير قوله تعالى: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) لداود عليه السلام، ويحلل العلاقة بين الحكمة وفصل الخطاب، مؤكدًا أن الحكمة تثمر خطابًا فاصلًا واضحًا، وأن الهدوء والأناة وذكر الله قبل الكلام تهيّئ القلوب وترفع الاستعداد للاستماع، مع بيان توافق هذا التأمل مع أقوال المفسرين، واستخلاص دروس عملية للتواصل المعاصر. كما يبرز أن البلاغة وسيلة لخدمة الحق والعدل لا غاية بذاتها.
هذا من فضل ربي - حين تصبح النعمة اختبارًا لا سببًا للغرور
يعلّمنا موقف سليمان عليه السلام عند إحضار عرش ملكة سبأ أن أعظم النعم لا ينبغي أن تقود إلى الغرور، بل إلى الشكر والتواضع. فقد قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. فالمال والعلم والقوة والجاه اختبارات، والمؤمن الحق ينسب الفضل لله، ويزداد بالنعم ورعًا وإحسانًا وتواضعًا، ولا يجعل نجاحه سببًا لنسيان المنعم.