تصدَّق في حياتك وإلا فإن آخرتك برادة ماءٍ تُرمى بعد سنةٍ من وفاتك
الإنسان يظن أن أولاده سيتركون صدقة جارية له بعد موته، لكن الحقيقة أنهم ينشغلون عنها فتُرمى كبرادة ماء خربة بعد سنة. الحديث الشريف يؤكد أن ما يبقى من عمل الإنسان إلا ثلاث: صدقة جارية يؤسسها بنفسه، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. فلا ترهن آخرتك بوعد غيرك، وتصدق في حياتك بيدك لا بيد من بعدك.

تصدَّق في حياتك وإلا فإن آخرتك برادة ماءٍ تُرمى بعد سنةٍ من وفاتك
تأمَّلْ هذه الصورةَ التي تتكرَّرُ في كلِّ حيٍّ من أحيائنا:
رجلٌ يموتُ بعدَ عمرٍ من الجَمْعِ والادِّخارِ، فيتجمَّعُ أولادُهُ بعدَ دفنِهِ بأيامٍ قلائلَ، ويقولُ أحدهمُ وهو يَمْسَحُ دمعَهُ:
«أبي رحلَ ولمْ يَبْقَ له إلا نحنُ، فلنُصلِحْ له صدقةً جاريةً يَبْقَى ثوابُها له».
فيذهبونَ إلى السوقِ ويشترونَ برادةَ ماءٍ بألفِ ريالٍ — أو بألفَيْ ريالٍ — ويُثبِّتونَها في جامعِ الحيِّ أو على رصيفِ الطريقِ، ويُعلِّقونَ عليها لوحةً مكتوبًا فيها:
«صدقةٌ جاريةٌ عن روحِ فلانِ بنِ فلانٍ».
ثمَّ يمضي الأسبوعُ الأولُ، والثاني، والثالث… ويأتي شهرٌ، وشهرانِ.
فيُصيبُها الغبارُ، ويَنْفُدُ ماؤُها، ويَتَسَخَّطُ مَنْ حولَها؛ لأنَّها أصبحَتْ بؤرةً للريحِ والحشراتِ. ولا أحدَ من الأولادِ يأتي ليملأَها؛ فهم مشغولونَ بأعمالِهم، وأطفالِهم، وديونِهم، ومشاكلِهم.
ثمَّ تَنْكَسِرُ صنبورُها… فلا يأتي أحدٌ ليُصلِحَها.
ثمَّ تتشقَّقُ جدرانُها… فلا يأتي أحدٌ ليُبدِّلَها.
ثمَّ يأتي يومٌ يقولُ فيه صاحبُ الجامعِ أو مسؤولُ البلديةِ:
«هذه خَرِبةٌ مُتَسِخَةٌ تشوِّهُ المكانَ».
فيأتي عاملٌ، ويحملُها، ويَرْميها في حاويةِ النفاياتِ.
انتهت البرادةُ.
وانتهى الألفُ ريالٍ.
وانتهى «الثوابُ الجاريُّ».
وأولادُكَ — في تلكَ اللحظةِ — قد نسُوا أنَّها كانتْ لكَ أصلًا.
هكذا هي الدنيا… وهذه سُنَّة الحياة
لا ألومُ أولادَكَ، ولا أَعُدُّهم آثمينَ. هم بشرٌ من لحمٍ ودمٍ. لهم أعمالٌ تُشَغِّلُهم، ولهم أطفالٌ يُتْعِبُونَهم، ولهم همومٌ تُثقِلُ كواهلَهم.
والنفسُ بطبيعتِها تُفكِّرُ في بطنِها قبلَ أنْ تُفكِّرَ في قبرِ غيرِها.
إنَّما الذي ألومُهُ هو أنتَ — أيُّها الحيُّ القادرُ — الذي ظنَنْتَ أنَّ ثمنَ البرادةِ بعدَ موتِكَ يُغنيكَ عن صدقةٍ تُخرجُها بيدِكَ اليومَ.
ظنَنْتَ أنَّ الأولادَ سيُصلِحونَ، فإذا بهم يَنْسَونَ.
وظنَنْتَ أنَّ الناسَ سيتذكَّرونَ، فإذا بهم يمضونَ.
وظنَنْتَ أنَّ اللوحةَ المعلَّقةَ على البرادةِ ستَدُومُ، فإذا بها تُزالُ مع أولِ صيانةٍ للجامعِ.
وما يبقى للإنسان من عمله إلا ثلاثٌ
لمْ يقلِ النبيُّ ﷺ: «ما يبقى له من أولاده إلا ثلاثٌ».
ولمْ يقلْ: «ما يبقى له من براداتِ الماءِ إلا ثلاثٌ».
ولمْ يقلْ: «ما يبقى له من اللوحاتِ إلا ثلاثٌ».
بل قالَ — وهو الصادقُ المصدوقُ ﷺ —:
«إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».
انظرْ إلى كلمةِ «عملُه»… فهي مفتاحُ الحديثِ كلِّه.
من عملِهِ هو الذي يبقى، لا من عملِ غيرِهِ.
فالولدُ الصالحُ يدعو له — نعم — ولكنَّ الدعاءَ صادرٌ عن العملِ الصالحِ الذي بَذَلَهُ الأبُ في تربيتِهِ وتعليمِهِ.
أمّا أنْ تتركَ ولدًا فاسدًا ثمَّ تَرْجُوَ منهُ الدعاءَ، فهذا بمنزلةِ مَنْ يزرعُ بذارَ الشوكِ ويَرْجُوَ أنْ يحصدَ الوردَ.
الصدقة الجارية الحقيقية
الصدقةُ الجاريةُ الحقيقيةُ ليستْ برادةَ ماءٍ يشتريها غيرُكَ، ثمَّ يهملها أو يرميها.
بل هي:
بئرٌ حفرتَها بمالِكَ وأوقفتَها للهِ.
مسجدٌ بَنَيْتَهُ من مالِكَ ووقفتَهُ.
كتابٌ ألَّفتَهُ أو طبعتَهُ ونشرتَهُ.
شجرةٌ غرستَها ورَعَيْتَها حتّى أثمرَتْ.
جسرٌ أو طريقٌ أو مرفقٌ عامٌّ أنشأتَهُ بمالِكَ ووقتِكَ وجهدِكَ.
مشروعٌ نافعٌ ضمنتَ استمرارَهُ وصيانتَهُ بعد موتِكَ.
هذه الأعمالُ لا تُنسَى؛ لأنَّها في سجلِّكَ، ولا تُهمَلُ إذا أحسنتَ تأسيسَها، ولا يضيعُ ثوابُها ما دام نفعُها باقيًا.
والعلمُ النافعُ — كلمةٌ علَّمتَها، أو فتوىً صحيحةً أرشدتَ بها، أو حرفًا نافعًا نقلتَهُ — يدورُ في الدنيا وأنتَ تحتَ الثرى، وينتفعُ به الناسُ وأنتَ لا تملكُ أنْ تُحرِّكَ شفتَيك.
فلماذا تؤجِّل ما يمكنك فعله اليوم؟
يا من ظنَنْتَ أنَّ الأولادَ سيُصلِحونَ بعدَ موتِكَ… هل ضمنتَ أنْ تبقى حيًّا حتّى يأتيَ ذلك «البعدُ»؟
وهل ضمنتَ أنْ يكونوا أغنياءَ حينَئذٍ ليشتروا البرادةَ؟
وهل ضمنتَ أنْ يكونوا صالحينَ حتّى يُفكِّروا فيكَ أصلًا؟
إنَّ اللهَ لمْ يَجْعَلْ العملَ الصالحَ وِراثةً تنتقلُ بالجيناتِ، بل جَعَلَهُ كَسْبًا يُنالُ بالإيمانِ والاجتهادِ.
فلا تَرْهَنْ آخرتَكَ على وعدِ بشرٍ قد يُخْلِفُ، ولا على برادةِ ماءٍ قد تُكْسَرُ، ولا على لوحةٍ قد تُزالُ، ولا على مشروعٍ لم تُحسن تأسيسَهُ ورعايتَهُ.
تصدَّق اليوم
تصدَّقْ اليومَ…
بنيَّةِ أنْ تَبْنِيَ بها بيتًا في الجنَّةِ، لا أنْ تَبْنِيَ بها لوحةً في الجامعِ.
علِّمْ اليومَ…
بنيَّةِ أنْ يَجْرِيَ ثوابُ علمِكَ بعدَ موتِكَ، لا أنْ يَجْرِيَ حبرُهُ في دفترِ النفقاتِ.
أنفِقْ من مالِكَ…
بنيَّةِ أنْ تُباشِرَ أجرَهُ بيدِكَ، لا أنْ تتركَ غيرَكَ يُباشِرُهُ ثمَّ يَنْسَى أمرَكَ.
وابحثْ عن الصدقةِ التي يستمرُّ نفعُها، وتُضمَنُ صيانتُها، ويُحسَنُ الإشرافُ عليها، وتصلُ إلى مَنْ يحتاجُ إليها، ويكونُ أثرُها أكبرَ من اسمِكَ المكتوبِ عليها.
الخلاصة
إذا مِتَّ ولمْ تَعْمَلْ، فلنْ يُنقِذَكَ من النسيانِ إلا عملُكَ.
ولنْ يُنقِذَ ذِكرَكَ من الزوالِ إلا صدقتُكَ.
ولنْ يُنقِذَ قبرَكَ من الظُّلمةِ إلا نورُ الإيمانِ والعملِ الصالحِ والعلمِ الذي نشرتَهُ.
وأمّا برادةُ الماءِ التي اشتراها أولادُكَ بألفِ ريالٍ…
فسَتَنْكَسِرُ.
وسَتُرمى.
وسَيَمْضونَ.
وسَتَبقى أنتَ تحتَ الترابِ تنتظرُ ما قدَّمتَهُ بيدِكَ، لا ما وَعَدُوكَ بهِ بألسنتِهم.
فاخترْ لنفسِكَ:
إمّا أنْ تكونَ لكَ صدقةٌ جاريةٌ تَجْرِي حسناتُها وأنتَ في قبرِكَ…
وإمّا أنْ تكونَ آخرتُكَ — لا قدَّرَ اللهُ — معلَّقةً ببرادةِ ماءٍ خَرِبةٍ تُرمى في زاويةِ النسيانِ بعدَ سنةٍ من وفاتِكَ.
مقالات ذات صلة
لن أعيش بجلباب أبي ولكن سأخلع أبي وجلبابه نهائياً وأعيش كما أريد
يتناول المقال ظاهرة انسلاخ بعض الأبناء عن قيم أبائهم بتأثير من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحول الأب في نظرهم إلى عائق بدلاً من القدوة، واستُبدل بالمؤثرين. وتستعرض السطور مظاهر هذه الفجوة كامتناع الابن عن مشاركة محتوى والده أو مسح تعليقاته، محللة الأسباب بين التقديس الافتراضي وانفصام الهوية. ويختتم بالدعوة لاستعادة جسور الثقة بالحوار، والصبر، وتقديم القدوات الصالحة بدلاً من الجفاف الرقمي.
خير الناس أنفعهم للناس - حين تصبح خدمة الخلق بابًا إلى خير الدنيا والآخرة
خير الناس أنفعهم للناس؛ فمساعدة المحتاج نعمة وأمانة، يعود خيرها على صاحبها في الدنيا والآخرة. وتعلمنا قصة موسى عليه السلام أن النجدة تحتاج رحمةً وحكمة؛ فقد سقى للمرأتين وهو غريب محتاج، فساق الله إليه الأمن والعمل والأسرة. وفي زماننا لا ينبغي أن يمنعنا الخوف من مساعدة المنقطعين، بل نعينهم بحذر واتصال بالجهات المختصة. فالخير لا يضيع، وأبقى ما يتركه الإنسان أثر نافع في حياة الآخرين ورحمة مسؤولة.
قبل أن تَشتم بالكلب وتخيف بالذئب - موعظة للبشر من عالمٍ ظنناه أقلَّ منّا
قبل أن تشتم بالكلب أو تخيف بالذئب، تأمل ما في حياتهما من دروس. فالذئب يعيش ضمن أسرة متعاونة، يحمي صغاره، يستفيد من خبرة كبارها، ويوزع المسؤوليات من أجل البقاء. والكلب يضرب مثالًا في الوفاء وحفظ المعروف. فإذا كانت الحيوانات تمارس بفطرتها التعاون والرعاية والثبات، فكيف بالإنسان الذي وهبه الله عقلًا وضميرًا؟ كن وفيًا لوالديك وأصدقائك، رحيمًا بالضعيف، محترمًا للكبير، قويًا بلا ظلم، وعزيزًا بلا كبر.
