حين لا بواكي لك… ابك على نفسك
دعوة إلى ألا ننتظر دموع الناس بعد الرحيل، بل نبكي على تقصيرنا ونراجع صلاتنا ووفاءنا وعمرنا قبل فوات الأوان.

قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾
هذه صورة من أهوال يوم القيامة، حين ينشغل كل إنسان بنفسه عن أقرب الناس إليه. لكن المؤلم أن شيئا من هذا المشهد أصبح يظهر في حياتنا قبل الآخرة؛ فقد انشغل الأخ عن أخيه، والابن عن والديه، والزوج عن زوجه، والصديق عن صديقه، وصار شعار كثير من الناس: «كل واحد يحمل همه».
اتسعت وسائل الاتصال، ولكن ضاقت مساحة الوفاء. كثرت أسماء الأصدقاء في الهواتف، وقل من يسأل عنك بصدق، أو يشعر بألمك، أو يفرح لفرحك من قلبه. أصبحت كثير من العلاقات مرتبطة بالمصلحة والمكانة والمنصب؛ فإذا انتهت الحاجة انتهى معها السؤال والود.
قد تتصل بزميل قديم كنت تحبه، فتجده بعد أن ارتفع منصبه وتبدلت ظروفه يجامل بكلمات سريعة، ثم يغلق الهاتف لأنه مشغول، فتشعر أن سنوات الصداقة لم تعد تعني له شيئا، وأنك أصبحت اسما قديما لا مصلحة له عنده.
والأشد إيلاما أن يصل الجفاء إلى الأسرة، فيخشى الأب أو الأم من الكبر والوحدة، ويتساءل المرء: هل سيفتقدني أبنائي؟ وهل سيبكون علي عندما أموت؟
لكن السؤال الأهم ليس: من سيبكي علينا بعد الموت؟ بل: ماذا قدمنا لأنفسنا قبل الموت؟
بعد غزوة أُحد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء الأنصار يبكين قتلاهن، فقال متألما على عمه حمزة رضي الله عنه:
«لكن حمزة لا بواكي له».
لم يكن حمزة قليل الشأن أو المحبة، فهو أسد الله وسيد الشهداء، ولكن الموقف يعبر عن حاجة إنسانية عميقة: أن يشعر المرء أن وجوده له قيمة في قلوب الآخرين، وأن غيابه سيترك أثرا وفراغا.
لسنا كحمزة رضي الله عنه في منزلته وفضله، ولكن كثيرا منا يعرف في هذا العصر معنى أن يشعر بأنه لا بواكي له؛ لا لأن من حوله غير موجودين، بل لأن المشاعر ضعفت، والقلوب انشغلت، والمصالح طغت على الأخوة والوفاء.
فإن شعرت أنه لا بواكي لك، فلا تنتظر جنازتك لتعرف من يحبك، ولا تجعل قيمتك مرتبطة بدموع الناس بعد رحيلك.
ابك على نفسك الآن.
ابك على صلاة ضيعتها، وعلى قرآن هجرته، وعلى قلب قسا، وعلى والدين قصرت في برهما، وعلى صديق احتاج إليك فقلت: «كل واحد يحمل همه».
ابك على عمر أنفقته في جمع ما ستتركه، وإرضاء من سينساك، والانشغال بالدنيا عمن ستقف بين يديه وحدك.
وليس بكاء الرجال ضعفا، فقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا ورحمة. إنما الضعف الحقيقي أن يقسو القلب فلا يتأثر، ولا يخشع، ولا يراجع نفسه.
ولكن لا يكفي أن تشتكي من جفاء الناس؛ بل اسأل نفسك: هل كنت أنت وفيا؟ هل سألت عن أصدقائك دون مصلحة؟ هل جلست مع والديك؟ هل اقتربت من أبنائك؟ هل منحت من تحب كلمة طيبة وهو حي، أم ادخرتها لتقولها بعد موته؟
لا تنتظر وفاة أبيك لتذكر فضله، ولا رحيل أمك لتتحدث عن حنانها، ولا موت صديقك لتنشر صوره وتصفه بالأخ الذي لم تلده أمك.
كن أخاه في حياته.
قد لا يبكي عليك أحد طويلا، لكن الله لا ينسى عملا صالحا قدمته، ولا دمعة نزلت من خشيته، ولا قلبا جبرته، ولا مظلمة رددتها، ولا والدا أرضيته.
فلا يكن أكبر همك أن يكثر الباكون عليك، بل أن يكثر ما يشهد لك بين يدي الله.
وحين لا تجد من يبكي معك، فابك بين يدي الله. وحين تخشى ألا يبكي عليك أحد بعد موتك، فابك على نفسك قبل أن يأتي يوم لا تستطيع فيه أن تعتذر أو تعود أو تضيف إلى حياتك سجدة واحدة.
ابك على نفسك اليوم، ثم امسح دمعتك، وأصلح ما بقي من عمرك، ولا تجعل جفاء هذا العصر يحولك إلى واحد من القساة.
مقالات ذات صلة
إنما يرحم الله من عباده الرحماء
الرحمة خُلُق عظيم وشكرٌ لنعم الله؛ فالقوي يرحم الضعيف، والغني يعين المحتاج، والعالم يرفق بالجاهل. وقد علّمنا النبي ﷺ أن «من لا يَرحم لا يُرحم»، وأن الرحمة تشمل الصغير والكبير، والمخطئ والفقير، بل حتى الحيوان. وهي لا تعني ترك العدل، بل الإصلاح بلا إذلال والعفو بلا ضعف. فارحم بما تستطيع؛ بكلمة طيبة، أو مساعدة، أو ستر، أو مواساة، رجاء رحمة الله في الدنيا والآخرة.
نعيب زماننا... أم نراجع أنفسنا؟ - رحلة إلى الحياة الطيبة بين محاسبة النفس وحسن الظن بالله
كثيرًا ما نعيب زماننا والناس، ونغفل عن مراجعة أنفسنا وإصلاح قلوبنا. فالطمأنينة لا تأتي من خلو الحياة من البلاء، بل من الإيمان والعمل الصالح وذكر الله والتوكل عليه، مع الشكر والصبر والرضا وحسن الخلق. والمؤمن يعيش بين الخوف والرجاء، فلا يقنط من رحمة الله، بل يكثر من التوبة والاستغفار. والحياة الطيبة تبدأ حين نحاسب أنفسنا، وننظر إلى نعم الله، ونتبع هداه، فلا نضل ولا نشقى.
رسالةٌ إلى نفسي التي سأُحاسَب عنها
رسالةٌ إلى النفس تدعو إلى محاسبتها قبل الحساب، والاعتراف بما ضاع من العمر والفرص دون استسلام لليأس أو الحسرة. تذكّر بأن الله هدانا السبيل، وأن من سبقونا صاروا بين يديه، وأن ما بقي من العمر أمانة تستحق التوبة والعمل. وهي دعوة إلى صيانة الوقت، والأخذ بالأسباب، والتقرب إلى الله، وحسن الخلق، وأداء الحقوق، وإصلاح الأسرة بالقدوة والرفق، مع التوكل على الرحمن والسعي الصادق إلى حياة طيبة وحسن خاتمة.
